أحمد بن محمد مسكويه الرازي

259

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

وارسطوطاليس يقول : « ليس ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسيّة ، وان كان إنسانا ولا يرضى بهمم الحيوان الميت ، وان كان هو أيضا ميتا ، بل يقصد بجميع قواه ان يحيا حياة إلهيّة ، فان الانسان وان كان صغير الجثة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل ، والعقل يفوق جميع الخلائق لأنه الجوهر الرئيس المستولي على هذا الكل بأمر مبدعة تعالى جده » . « 1 » وقد قلنا في ما تقدم : انّ الإنسان ما دام في هذا العالم فهو محتاج إلى حسن الحال الخارجة عنه ، ولكن ينبغي ان لا ينصرف إلى طلب ذلك بقوّته كلها ولا يطلب الاستكثار منه ، فقد يصل إلى الفضيلة من ليس بكثير المال ولا ظاهر اليسار ، فان الفقير من المال والاملاك قد يفعل الافعال الكريمة ، ولذلك قالت الحكماء : انّ السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم ، وفعلوا الأفعال التي تقضيها الفضيلة وان كانت فيهم قليلة . هذا كلام الحكيم في هذه المرتبة التي وعدناك الكلام فيها ، وهو يقول بعد ذلك : « ليس في معرفة الفضائل كفاية بل الكفاية في العمل بها . ومن الناس من ينهض إلى الفضائل وينقاد إلى الموعظة ، ويرغب في الخيرات ، وهؤلاء قليلون وهم الذين يمتنعون من جميع الرداآت والشرور ، وذلك للغريزة الجيّدة والطبع الجيّد الفائق ، ومنهم من ينقاد إلى الخيرات حتى يمتنع عن الرداآت والشرور بالوعيد والفزع والانذارات من العذاب ، فيهرب من الجحيم والهاوية وما اعدّ فيها من الآلام » . ولذلك حكمنا ان بعض الناس اخيار بالطبع وبعضهم اخيار بالشرع وبالتعلم ،

--> ( 1 ) . ينسب للإمام علي عليه السّلام : أتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر